اسرار واخبار


للباحثين عن الحقيقه ---والمعلومه الصحيحه والقيمه يسعدنى زيارتكم وكم يحزننى فرقكم وفقكم الله الى فعل الخيرات -----وكم هو عمل صعب ونادر فى هذه الايام ولكم تحياتى #### احبكم فى الله####

الجمعة,أيار 18, 2007


ماهي حقيقة العلم ؟

 

 ينقل عن العالم ( سومرست موم ) قوله عن العلم : إن العلم كائن متقلب فهو ينفي اليوم ماأثبته بالأمس ، وهو سيثبت غداً ربما مانفاه اليوم ، فهو لايثبت على حالة واحدة وعباده دوماً في قلق مستمر . هذا المقولة تمثل تياراً لايقينياً في التعامل مع العلم ، فهل العقل مهزلة كما وضع الكاتب علي الوردي هذا عنواناً لأجمل كتبه ؟ (1) أم المعرفة مستحيلة ؟ أم أن العلم كائن هلامي يستحيل القبض على أي تماسك في محتوياته ؟

 ولكن ماهو العلم على وجه التحديد ؟

 عندما كنت طالباً في كلية الطب درسنا الانسان في أربعة أبعاد ، درسناه كجغرافيا وطوبوغرافيا وهو علم التشريح ، ودرسناه كحركة وهو علم الفيزيولوجيا ( علم الغرائز ) ، ودرسناه كتركيب وهو علم الانسجة ، ودرسناه كتاريخ وتغير وهو علم الأجنة والباثولوجيا ( علم الأمراض ) وعلم النفس وأمراضها .

 لفت نظري في علم الفيزيولوجيا في بحث أثر الماء في الحياة ، أن المدرس استخدم نصف آية من القرآن حركت عندي شهية البحث لمدة سبع سنوات كاملة ، تفيد حقيقة علمية ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) وكان استخداماً موفقاً وفي مكانه ، ولكنه توقف عند نهايتها التي تمثل مصب الماء المعرفي ، أو مايعرف حالياً بالابستمولوجيا ( EPISTEMOLOGY )(2) أي فلسفة العلوم أو علم العلوم أو الدراسة النقدية للعلوم ، وكانت النهاية ( أفلا يؤمنون ) .

 العلم اضطر لتأسيس قاعدة صلبة له فطوَّر علم جديد هو فلسفة العلوم ، وهي طريقة الزاوية المفتوحة في فهم الوجود عند سقراط ، حيث تشكل الإجابة عن سؤال ، الباب لسؤال جديد ، والاشباع المؤقت له لاأكثر ، ليضع العقل سؤالاً جديداً ، وهكذا بلانهاية ، في قنص سلسلة من الحلول ، وخرق فضاءات معرفية بدون توقف، وتأسيس وتوليد علوم جديدة ، في حركة نهم ونمو معرفي ، لايعرف الحدود أو الاستقالة أو الاشباع .

 اسئلة العلم الكبرى ؟

 منذ الطفولة ويقظة العقل الانساني تتدافع كحمم البركان الذي يغلي داخل كيمياء الدماغ في طرح أسئلة كبرى ، في تفسير الوجود المحيط بنا ، في سباحة في اللحظة الواحدة بين قنص أطرافٍ من الحقيقة ، والارتماء من حين لآخر في مصائد ومطبات وشباك الخرافة . العلم كحركة تأسيس معرفي تقترب من الصحة العقلية ، والخرافة التي تنظم عملية اغتيال التفكير . العلم من حيث كونه نمواً لطاقة العقل عند الانسان ، والخرافة التي تستلب إرادة الفهم عنده .

 أسئلة العقل الكبرى تتزاحم وتتراكم وتضغط بحثاً عن الأجوبة : هذا الكون المعقد المتشابك الذي يحيط بنا ماهو تكوينه ؟ ماهي طبيعة حركته ؟ لماذا يتغير بدون توقف ؟ هل له طريقة في التعامل ؟ هل يقوم على الفوضى و اللاسننية ؟ أم له قوانين تنتظم حركته ؟ ماهي طبيعة هذه القوانين إن كانت موجودة ؟ هل يمكن فهم الكون أم أن المعرفة مستحيلة ؟ من أين جاء ؟ هل له بداية ؟ هل له غاية ؟ هل هو مبرمج ؟ وإذا كان مبرمجاً فماهو فحوى برنامجه ؟ ماهي طبيعة الصيرورة التي تغلف حركته ؟ لماذا كان الجمال مركزياً في الكون في كل شيء ومكررا ومعاداً ؟ هل يقوم الكون على العبثية واللامعنى ؟ أم له معنى ؟ هل هو مرشح للديمومة والأزلية أم أنه معرض للانهدام والفناء والانحلال والنهاية التي هي ضرورة منطقية لكل بداية ؟ ماهي الحياة ؟ لماذا اقترنت بالموت ؟ لماذا تطمح النفس الى الخلود والصحة والشباب ؟

 هذه الاسئلة وغيرها تمثل ضغطاً ساحقاً على العقل لايستطيع التملص من قبضتها للإجابة عليها ؟

 مفاتيح العلم الخمسة الاساسية

 لعل القفزة الأولى أمام العقل هي فهمه لطبيعة الوجود وحركته ؟! مم يتكون هذا الوجود ؟ ماهي طبيعة الحركة فيه ؟

 يمسك العلم اليوم بمفاتيح أساسية للتعامل مع الوجود ، فهو يرى الوجود من خلال خمس حقائق أساسية : المادة والطاقة ، الزمان والمكان ، والقوانين التي تنتظم حركته .

 والقوى الاساسية في الوجود أمكن معرفتها وتصنيفها حتى الآن بخمس قوى أساسية أيضاً : الكهرباء والمغناطيس ، الجاذبية ، قوى النواة الضعيفة والقوية . واستطاع مكسويل في القرن الفائت دمج الكهرباء بالمغناطيس لتشكيل قوة موحدة بقانون موحد هي القوة الكهرطيسية ، وذكر الفيزيائي البريطاني ( ستيفن هوكينج )عن محاولة العلماء اليوم الى الوصول الى قانون ( توحيدي ) يضغط قوى الكون كلها في طاقة واحدة (3) كما يحلم اليوم العلماء في دمج منظومات المعرفة الاساسية بين قوانين نيوتن وميكانيكا الكم والنسبية في منظومة معرفية واحدة لفهم الكون بشكل توحيدي .

 لايعني الامساك بهذه المفاتيح المعرفية وضع اليد على أقفال خزائن قارون الكونية المعرفية المطلقة ، بل الخطوات المعرفية الأولى لفهم الوجود والتعامل معه ، فالكون في حالة زيادة ( يزيد في الخلق مايشاء ) والعلم لايعرف التوقف فطبيعته تقدمية ولايمكن محاصرته .

 عندما وضع العقل يده على مفتاح القانون ( السنة ) في فهم الكون ، استطاع أن يصل الى ثلاثة أمور جوهرية : أولاً تحطيم الخرافة . وثانياً النمو العلمي من خلال التراكم المعرفي البطيء ، أي أنه وضع قدمه في أول طريق ، ليس له نهاية في الكمال الانساني . وثالثاً التسخير ، فطبيعة الكون كمونياً تسخيرية ، والتسخير هو الخدمة المجانية . وهي متاحة ومعروضة لكل من يضع يده على سر القانون السرمدي في الوجود .

 النظام العقلي والكوني

 يتحرك الكون إذاً وفق قوانين ، وهو معقد ولكنه بسيط بنفس الوقت ، فهو مركب بدقة لامتناهية ، في وحدات أزلية ، تكون في تراكبها مستوىً جديداً من الوجود ، تنظمها بدورها قوانين نوعية ، وفق المستوى الجديد ، في حركة تراكبية مستمرة للقوانين ، تندمج في النهاية في وحدة عضوية تمضي الى أجلٍ مسمى لها .

 صاغ الدكتور محمد كامل حسين نظام العقل والكون لفهم ماهية المعرفة على النحو التالي : ( في الكون نظام وفي العقل نظام ، والمعرفة هي مطابقة هذين النظامين ، والنظامان من معدن واحد ، والمطابقة بينهما ممكنة لما فيهما من تشابه ، ولو لم يكونا متشابهين لاستحالت المعرفة ، ولو لم تكن المطابقة بينهما ممكنة ماعلم أحد شيئاً ، وتشابه النظامين الكوني والعقلي ليس فرضاً يحتاج الى برهان ، بل هو جوهر إمكان المعرفة ، ومن أنكره فقد أنكر المعرفة كلها ، وهذا الإنكار خطأ يدل عليه ماحقق العقل من قدرة على التحكم في كثير من الأمور الطبيعية ، ولم نكن لنستطيع تحقيق شيء من ذلك لو أن النظامين مختلفان ، ومهما تتغير المعرفة ومذاهب التفكير وفهمنا للكون ، فإن الحقيقة التي ثبتت ثبوتاً قطعياً ، هو هذا التوافق بين نظام الكون ونظام العقل )(4)

 الكون يقوم على قوانين نوعية ، والانسان يقترب من تسخير الكون وتطويعه بفهم هذه القوانين ، والعلم هو هذه الحركة ، فبقدر هضم وقنص واستيعاب الوجود على هذه الطريقة ، يتم البناء العلمي وتتحطم الخرافة ويزول السحر والاسطوري والخلاب والغامض ، ويضع الانسان يده على طاقات الكون لخدمته مجاناً .

 مراتب الوجود

 إذا أردنا أن نؤسس للتفكير عندنا ونقترب من فهم الكون ، فهناك تدرج في قنص الحقيقة ، المرتبة الأولى هي الوجود الموضوعي خارج الذهن (5) وهي تسبح بعيداً عن كل البشر ، مهما زعموا لأنفسهم السيطرة على ينابيع المعرفة . والمرتبة الثانية هي انتقال هذا الفيض الى العقل وهو العلم ، ويقابله الظن ، وزكى القرآن العقل والعلم وسحبهما من الظن والهوى ، والمرتبة الثالثة هي نطق الانسان بالتصورات التي تكومت داخل الذهن ، وتأتي الكتابة كمرحلة رابعة أخيرة ، في إنزال التصورات على شكل رسومات ، كما أفعل الآن مع مقالتي هذه ، ويلاحظ أن هناك تبخر وذوبان مستمر مثل قطعة الثلج ، وهي تمر عبر وسط حراري ، مع الانتقال من مرتبة لأخرى ، مع الزحف من حجرة معرفية الى أخرى ، فتزداد ذوباناً وتفقد الحقيقة تماسكها مرة بعد أخرى . مع هذا فبدون كتابة لايوجد ذاكرة .

 لايمكن نقل المعلومات عبر الأجيال بدون ذاكرة الكتابة ، ولكنها طريقة غير دقيقة ، والأمان هو الجدلية المستمرة بين التصورات والواقع ، فالواقع هو كلمة الله الأخيرة التي لاتتغير .

 الوجود هو الحقيقة النهائية ، والكون هو كلمة الله الأصلية ، والقوانين المهيمنة هي كلمات الله ، وهي بامتداد لانهائي ، هذه الكلمات كتبت بلغة ثابتة لاتقبل التزوير والتحوير والتبديل والإلغاء والاندثار مع امتداد الزمن . وهي خاضعة لتفسير العقل الانساني ، للاقتراب أو الابتعاد عن الصواب فيها ، ولو كان البحر مداداً لكلمات الله لنفذ البحر قبل أن تنفد كلمات ربي .

 انعكاس الحقيقة الموضوعية على الذهن يتعلق بهذه المرآة العقلية وصفاءها ولمعتها وصقلها المتواصل لاستقبال حقائق الوجود ، وبقدر تشوش الذهن بقدر اضطراب قنص هذه الحقائق .

 مايدخل في العقل أو يفسره ويفهمه لايعني أنه وضع يده على الحقيقة الحقيقية النهائية المطلقة ، بل هي تفسيرات العقل وقدرة الهضم والاستيعاب عنده لاأكثر ولاأقل للوجود الخارجي .

 مولد العقل الاستدلالي

 كان العقل قديما يتعامل مع الوجود على أساس الخوارق وليس السنن والقوانين ، ولكن مجيء الاسلام فتح العهد الجديد واعتمد نموذج القانون ( السنة ) ولن تجد لسنة الله تبديلا أو تحويلا ، ولعل فكرة ( ختم النبوة ) تحمل في تضاعيفها بشكل غير مباشر هذه الفكرة ، فهي كما قال الفيلسوف محمد إقبال الاحتفال بمولد العقل الاستدلالي .

 جاء في كتاب تجديد التفكير الديني : ( ينبغي أن نفهم القيمة الثقافية لأحدى الفكر الاسلامية العظيمة وأعني بها فكرة ختم النبوة ... إن نبي الاسلام محمد (ص) يبدو أنه يقوم بين العالم القديم والعالم الحديث ، فهو من العالم القديم باعتبار مصدر رسالته ، وهو من العالم الحديث باعتبار الروح التي انطوت عليها ... ومولد الاسلام هو مولد العقل الاستدلالي ... العقل الاستدلالي الذي يجعل الانسان سيداً لبيئته وهو أمر كسبي ، فإذا حصلناه مرة واحدة وجب أن نتثبت دعائمه ونشد من أزره ، وذلك بكبت أساليب المعرفة التي لاتعتمد عليه .. إن النبوة في الاسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة الى إلغاء النبوة نفسها ، وهو أمر ينطوي عليه إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً الى الأبد على مقود يقاد منه ، وإن الانسان لكي يحصل كمال معرفته لنفسه ، ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو ... ومناشدة القرآن للعقل والتجربة على الدوام وإصراره على النظر في الكون والوقوف على أخبار الأولين من مصادر المعرفة الانسانية . كل ذلك صور مختلفة لفكرة انتهاء النبوة )(6)

 فكرة القانون ( السنة الوجودية )

يتألف الكون إذاً من مادة وطاقة ، زمان ومكان ، وقوانين ، في حزمة من الحقائق الأساسية حول فكرة القوانين يجب تأسيسها :

 1 ـ يمتاز القانون أولاً بالشمولية : فقانون الجاذبية موجود في المشتري وعلى ظهر القمر مثله في الأرض ، وأثر الحرارة على المعادن يعمل في المريخ كما هو في الشمس ، والانشطار النووي يحدث في كل نجم بما فيه شمسنا المتألقة منذ خمسة مليارات سنة تستهلك في اللحظة الواحدة اربعة ملايين طن من الهيدرجين (7)

 2 ـ ويمتاز القانون بالنوعية : فالقانون الفيزيائي غير الكيمياوي ، والمادي غير البيولوجي ، فالمعادن تتمدد بالحرارة ، والمد والجزر في بحار العالم تتأثر بحركة القمر ودورانه ، والغازات تنكمش بالضغط ، وتدور الأرض حول الشمس في حركة مترنحة أهليلجية ، ويتم سيلان الدم في الأوعية الدموية بين التخثر والنزف في ميزان ، وتفرز الهورمونات في الجسم بنسب مقدرة ، وإنا كل شيء خلقناه بقدر .

3 ـ تراكب القوانين : هناك سببية في حركة القوانين ، والأمور آخذ بعضها برقاب بعض في سلاسل سببية ، الا أن التقاء القوانين وتراكبها يخلق أوضاعاً جديدة ، فارتفاع الحرارة الى المائة يحول الماء الى بخار ، وانخفاضه الى الصفر يقلبه الى جليد ، ويزداد حجماً في تناقض استثنائي للماء ، غير مفسر عقلياً تماماً ، فالمواد تنكمش وتتقلص مع التجمد والبرودة ، والماء يفعل عكس ذلك فتمدد وينتفخ ، وانخفاض النشادر الى درجة 160 تحت الصفر يقلب الغاز الى سائل ، وهو المبدأ الذي استفيد منه في صناعة البرادات ، وحفظ الخلايا في رحلة تشبه الأبدية ؛ فتتجمد الحياة فيها ولاتنتهي حتى عشرة آلاف سنة ، والحرارة لها قاع لاتزيد عنه برودة ، وهي درجة الصفر المطلق لكالفن ومقدارها 273 تحت الصفر ، وعندها تتوقف كل الجزيئات عن الحركة !! ووضع الانشطار النووي ضمن كتلة حرجة يعرضه لانشطار صاعق ، والحامض النووي في الخلية يتعرض من حين لآخر الى ظاهرة الطفرة ( MUTATION ) مما يغير من طبيعة المخلوقات .

 4 ـ ويمتاز القانون رابعاً بالاستمرارية والثبات : فالجراح الذي يفتح بطن المريض يشق دوماً الى اليمين لاستئصال الزائدة الدودية ، واستخدام الأدوات الكهربية يتكرر بإنتاج حركات رتيبة من العصر والغسل والشفط والنظافة والتسخين ، والاشياء تسقط الى الاسفل بفعل الجاذبية ، فلم نجد قطعة ثقيلة رميناها أرضاً فطارت الى الجو ، ولم تكن الحياة ممكنة الاستمرار لولا اعتماد هذا الثبات في التعامل مع الوجود ، وهذا الضخ الثابت للظواهر في كم متشابك معقد يسود كل قطاعات الوجود من الذرة الى المجرة ، ومن اعقد الأفكار الى أعظم الامبراطوريات ، ومن الفيزياء الكونية الى التاريخ ، فالقانون يمسك برقبة الوجود ويتحكم في حركته

5 ـ خامساً : ويمتاز القانون بالقدرة الكمونية على التسخير ، فالكهرباء حبسناها في سلك ، والذرة فجرت ، والمغناطيس سخر ، والبخار حرك البواخر ودفع القطارات ، والالكترون يسود ساحة الفيديو والتلفزيون والفاكس والدشوش ، وهذا الجانب لاعلاقة له بما يعتقد الانسان أو يدين ، فمن يلقي نفسه من شاهق يتكسر أو يموت ، سواء كان يدين بالكثلكة أو يعتنق البوذية من مذهب زن ، وعندما تجتاح الكوليرا المناطق القذرة في الهند لاتسأل ماهي ديانة الانسان هل هو هندوسي أو من السيخ ، شيعي أو سني ، جرثومة الكوليرا تستهدف الانسان بيولوجيا ، فمن هو قذر أصابته ، ومن كان نظيفاً عفت عنه ، ولذلك انتشرت الكوليرا وتوطنت الهند ولم نعد نسمع عنها في الدانمارك أو بريطانيا ، مع أن الكوليرا فتكت بالعمال الألمان في مطلع القرن العشرين ، فكان يدفن عام 1905 م في هامبورج ألف جثة يومياً من وباء الكوليرا ، حتى تم الانتباه الى نظافة بيوت العمال ، كما أن منطقة ( الرور ) الصناعية لم تكن صناعية تماماً من قبل ؛ بل كانت منطقة متوطنة بالزحار ، حتى أخذت هذا الاسم ( الرور RUHR معناه الزحار والدوسنطاريا بالألمانية ) كذلك فتكت الملاريا بأهل روما من قبل بفعل المستنقعات حتى تم تجفيفها ، والأمراض الاجتماعية من هذا القبيل ؛ فالحرب الأهلية ودعت أوربا لتتوطن في العراق وتركيا وزائير .

 مشعران للعلم : القدرة على التنبؤ والتسخير

 ويتفرع عن فكرة التسخير معنى ينبني عليها ، للتأكد من أمر أنه علم ، فلايكفي الادعاء بأمر أنه علم ، مالم يخضع لمشعرين يؤكدان الطبيعة العلمية له وهما : القدرة على التنبؤ وأهم منه التسخير .

 علم المناخ قريب من العلم لأنه توقعي الى حد كبير ولكنه غير يقيني ، ولكن الكهرباء أصبحت يقينية بضبط قوانينها المسخرة ، أما التاريخ وعلم النفس فهو لم يدخل باب العلم تماماً لإنه لم يتسخر بعد ، ولكنه لايحرمه الصفة العلمية ، باعتبار أن الكشف عن قوانينه جاري على ساق وقدم ، كما أن ضبط بعض القوانين الفرعية أمكن تطويعها والكشف عن أسرارها ، ولكن المعقد حقاً هو علم التاريخ ، فكيف يمكن التنبؤ بأحداثه ؟

 الكشف عن قوانين التاريخ يتم بشكل معكوس ، فالتشبع بمادته من خلال معرفة ماحدث فيه يعطينا وعياً خاصاً وحدساً مرهفاً للانتباه الى سيناريو أو سياق يمكن أن يحدث على سبيل الاحتمال أو الأقرب للوقوع ، وهو مرتبط بعمق التشبع وعمق الوعي وعمق الرؤية الفلسفية بالتعاون مع علوم شتى .

 نتائج الأحداث تقع في المادة بشكل لحظي آني ، فتقريب النار من الحليب أو الشمع أو البارود يحدث أثره المباشر ، فالحليب يفور والشمع يذوب والبارود ينفجر . ولكن البايولوجيا تحتاج زمناً أطول لتبين نتائجها ، فالعمليات الجراحية تتفاوت بنتائجها بين جراحة الأوعية خلال ساعات ، وجراحة البطن التي تولد نتائجها في أيام ، والجراحة العظمية التي تمتد لأسابيع كي تلتئم الكسور ، وفي إصابات الأعصاب الأشهر بأكملها .

 وفي الطبيعة حتى تنمو الأشجار تحتاج الى سنوات طويلة ، وفي النفس الانسانية حتى تلتئم من الصدمات تأخذ أشهراً ممضة وسنوات عجاف ، ولكن تبين نتائج الأحداث في التاريخ يتطلب عمر الشعوب والأجيال ، كي يتم الاستفادة من موعظة التاريخ . هذه لايتم التشبع بها وفهمها وهضمها وبقدر الا من خلال معرفة حركة التاريخ ، برؤية الأحداث منظورة ، بشكل مقلوب الى الخلف . كما في الخطاب القرآني ( ألم تر الى الملأ من بني اسرائيل ) وهي رؤية تاريخية لحدث غاب في طيات القرون .

 الاحتمال في القانون لايعني إلغاءه

 6 ـ ويمتاز القانون أخيراً بطيف الاحتمالية : وهو الذي أفرزه مبدأ الارتياب أو اللايقين في ميكانيكا الكم ، ولكن هذا لايعني اضطراب فكرة القانون ، أو إلغاءه ، بل صيرورته وحركته الداخلية الخاصة به ، وهو موضوع تعرضنا له سابقاً في مقالتين عن انهيار الحتمية والموضوعية في العلم (8) ويطرح هذا القانون التعامل بشكل مرن مع الوجود ، وتم معه توديع عالم نيوتن القديم الميكانيكي الأصم ، والانتقال الى بناء الفكر المعاصر ، وفلسفة الحداثة بكل ذيولها وإعصارها .

لايعني مبدأ الارتياب أنه لايوجد قانون ، أو أن السنة حقيقة متبخرة . كل مايفيد أن القوانين تعمل بطريقة احصائية احتمالية ، وهذه الفكرة فتحت ثغرة مهمة ، في فهم علاقة موت الفرد ومتوسط عمر الانسان اجتماعياً ، وهو الضباب الذي يغشى عقول كثير من الناس فيختلط عليهم الأمر ، فمتوسط عمر الفرد قد يرتفع في بلد ، كما أن متوسط الدخل قد يقفز ، كما حصل في كوريا الجنوبية في مدى ثلاثين سنة الى13 ضعفاً (9) في حين أن غانا بقيت في وضع ( محلك راوح ) فلم يتزحزح متوسط دخل الفرد السنوي عن 230 دولاراً ، ولكن القانون الاحصائي يقول قد يولد فرد في اليمن ويكون غنياً ، وآخر في السويد فقيرا ، فحظوظ الانسان في هذه الدنيا مرتبطة بالمجتمع الذي يعيش فيه ، وبذلك ندرك الخيط الخفي في فهم القانون الاحتمالي ووضع الفرد في المجتمع ، وأثر المجتمع في صناعة الفرد ، بمعنى أن حظ الانسان الذي يولد في السويد أو كندا بشكل متوسط أفضل دنيوياً ، لإنه يحمل ضمانات ضد المرض والشيخوخة والبطالة وحوادث العمل ، كما يتمتع بالتعليم الراقي ، والغذاء الجيد ، والسكن المناسب ، أما من يولد في زائير فسيحمل أمتعته على ظهره في رحلة لاتنتهي في أوحال المستنقعات حافي القدمين ، مطارد من ميليشيات التوتسي المسلحة ، كما أن حظ من ولد في ألمانيا في مطلع القرن ، أن يموت في الحروب العالمية في خنادق الوحل ، في جبهات القتال في السوم والفردون ، أو مدفونا في الثلوج الروسية على خطوط القتال حول موسكو أو ستالينغراد .

 لايمكن الجزم لفرد في حظوظه ، أو قدره المنفرد ، أو شقائه أو غناه ، ولكن الطيف لاحتمالي يطوق قدر المجتمعات ، ويغلف شفق المغيب عندها .

 الكون يقوم على قوانين . القانون يتسم بالشمولية ، والنوعية ، والثبات ، والاستمرارية ، والتراكب ، والتسخير ، وطيف الاحتمال ، والعلم هو استيعاب حقيقة القانون وتطويعه بالتسخير في كل مستوى وجودي ، فهذه هي طريقة بناء الكون ، وهي توحي بحكمة هائلة ، لبرمجة رهيبة ، لكون منظم ، ورحمة تعم الوجود ، وخالق لايحيط العقل بمعرفته . وليس كمثله شيء .

 لايعطيك العلم بعضه الا بعد أن تعطيه كلك !!

 لم يكن المجتهدون في الاسلام أربعة أئمة فقط بل ربما وصلوا الى العشرات ، ولكن لم يؤسس كل منهم مذهباً مدرسياً نال قوة الانتشار ومساندة السلطة ، ومن هؤلاء المجتهدين أسد بن الفرات التونسي ، الذي كان تلميذاً لتلميذ الإمام أبي حنيفة النعمان أبو يوسف . كان ابن الفرات إذا نعس من فرط إرهاق الدراسة بين يدي استاذه نضح وجهه بالماء قائلاً له : يابني إن العلم لايعطيك بعضه الا بعد أن تعطيه كلك ، وأنت في هذا البعض على غرر !!

 

 

 

هوامش ومراجع :(1) مهزلة العقل البشري ـ تأليف الدكتور علي الوردي ـ دار كوفان لندن ويعتبر الكتاب المذكور من أجمل ماأبدعته ريشة الكاتب الراحل (2) يراجع تعريف الابستمولوجيا كتاب مدخل الى فلسفة العلوم ـ أبحاث في الابستمولوجيا المعاصرة ـ تعريفها ص 10 تأليف محمد عزام ـ دار طلاس (3) كتاب قصة قصيرة للزمان ـ ستيفن هوكينج ـ نشر دار أكاديميا (4) وحدة المعرفة ـ محمد كامل حسين ـ مكتبة النهضة المصرية ـ ص 1 (5) يراجع في هذا كتاب اقرأ وربك الأكرم ـ جودت سعيد ـ بحث مراتب الوجود (6) تجديد التفكير الديني ـ محمد إقبال ، ترجمة عباس محمود ـ لجنة التأليف والنشر والترجمة ص 144 (7) كتاب التنبؤ العلمي ومستقبل الانسان ـ عبد المحسن صالح ـ عالم المعرفة ـ رقم 48 ص 21 (8) يراجع في هذا المقالة 31 من كتاب الرياض مخطط الانحدار وإعادة البناء للمؤلف (9) يراجع في هذا كتاب المؤرخ الأمريكي باول كينيدي ـ التحضير للقرن الواحد والعشرين ـ ترجمة محمد عبد القادر ـ دار الشروق ـ ص 249

 

 

 تراجيديا العلم والايمان

 كان الكاتب النيهوم محقاً على طريقته الساخرة في الكتابة عن تاريخ أوربا : أن البابا لاكتانتانيوس ضحك على من يرى كروية الأرض ودروانها كيف لايسقط الناس ممن هم في الاسفل ؟ في الوقت الذي كانت أوربا تطارد القطط ، وتحرق الساحرات والكتب في الساحات العامة ، وتعالج السعال الديكي بلبن الحمير ؟!

 بعد طرد المسلمين من غرناطة شتاء 1492 ابتدأ شتاء فكري جديد تولته اسبانيا بشكل رئيسي فطلبت الاستقلال و( لامركزية ) مطاردة الهراطقة فأعطاها البابا ( سيكستوس الرابع SIXTUS IV ) الضوء الأخضر ، وبدأ حريق مريع في كل اسبانيا دشنه راهب دومينيكاني متوهج التعصب ضيق الأفق هو الفونسو دي هوخيدا ( ALFONSO DE HOJEDA ) وابتدأت حفلة النيران تأكل أجساد اليهود الهراطقة المرتدين ( CONVERSUS ) باديء ذي بدء ؛ على الشكل الذي أظهرته مقدمة فيلم ( كولومبوس ) الذي عرضته شاشة السينما من فترة قريبة ؛ ففي اشبيليافي 6 فبراير 1481 في عيد ( مسرح الإيمان ) مايسمى ( اوتوفادي AUTOFADE ) تم شوي ستة من الهراطقة على النار ذات الوقود ، وحتى عام 1490 م كانت المحرقة قد التهمت أجساد 400 من الهراطقة ؟! ثم قفز الى الواجهة شخصية مرعبة تاريخية مازالت المخيلة الجماعية ترجف منها هو الراهب الدومينيكاني ( توماس دي توركي مادا THOMAS DE TORQUEMADE ) فأحرق في عام واحد ( عام 1481 م ) 12000 اثني عشر الفاً من اليهود رفضوا التعميد ؟!

 القاء القبض على من تفوح منه النظافة ؟

 وبعد سقوط غرناطة تابع المسلسل طريقه المرعب فكان يلقى القبض على كل من تفوح منه رائحة النظافة ( فهو لاشك يتوضأ ؟ ) وكل من صبغت يداها بالحنة ( باعتبارها تقليداً اسلامياً لزينة المرأة ) إذا كان في تاريخها أن جدها الرابع كان مسلماً فهي لاشك تحن الى دين آباءها ؟ وفي عام 1980 م أذاع التلفزيون الألماني اثناء وجودي في رحلة التخصص عندهم خبراً مرعباً عن اكتشاف ألف جثة في سرداب سري في أقبية كنيسة مهجورة في مدينة توليدو ( TOLIDO ) . كانت بقاياهم ووضعيتهم تثير الفزع وتحكي نهاية مروعة . سارع التلفزيون الألماني يعلق إنه من بقايا حكم المسلمين في الاندلس ؟؟ ولكن الحكومة الاسبانية سارعت الى إغلاق الملف بسرعة ، واطفاء رائحة الخبر ؛ كي لايثير أي ضجة عن تاريخ همجي دموي مرعب عن ممارسات محاكم التفتيش برعت فيها اسبانيا وفاقت الجميع ؟

 كل مسلم اعتنق المسيحية تم التدقيق عليه هل يشرب الخمر ؟ هل يصلي خفية هل يحرك اصبعه بالشهادة ؟ هل تتمتم شفتاه باستغفار أو تسبيح ؟ هل يعف عن تناول لحم الخنزير ؟ استمرت رحلة الموت البطيء مايزيد عن القرن الكامل حتى عام 1609 م فلم يقتنع الاسبان بجدوى أي أثر للتراجع عن الاسلام ، وإظهار التنصر ، وممارسة شعائر المسيحية من رسم علامة الصليب والذهاب الى الكنيسة ؛ فصدر ( فرمان ) الملك فيليب الثالث بترحيل 40 % من الشعب الاسباني خلال ثلاثة أشهر ( ثلاثة ملايين من أصل ثمانية ملايين ) ؟؟ يحتاج أن يمثل عنه فيلم مأساوي من نوع ( هولوكوست اسبانيا ) ؟! ولكن كما يقول المثل الروماني ( الويل للمغلوب ) أو كما يشير المؤرخ البريطاني الى اختفاء حجة من يغيب عن مسرح الأحداث ؛ فالموتى لايتكلمون ، وبشهاداتهم لايدلون ، والى محاكم التاريخ لايحضرون ، أموات غير أحياء ، ومايشعرون أيان يبعثون . لم توقف حفلات إعدام الهراطقة في اسبانيا حتى عام 1826 م حيث أعدم آخر ضحية في بالنسيا ( VALENCIA ) التاريخ يلهمنا دروس كثيرة عن هذا النظام الجهنمي ، الذي عاش كل هذه الفترة حتى ووريت ناره على يد حركة التنوير في القرن السابع عشر من أدمغة عبقرية تشبعت بروح مجتمع ( لاإكراه في الدين ) .

 اضطهاد المرأة في صورة إحراق الساحرات

 ثم انقلب السحر على الساحر فبدأت الحرائق الانسانية تمتد الى أماكن أخرى ؛ ففي عام 1275 م أحرقت أول ضحية في تولوز المدينة الفرنسية ، وفي فرنسا أحرقت ( جان دارك JEANNE d,ARC ) عام 1431 م في اورليان ( ORLEAN ) المكافحة لإخراج البريطانيين من فرنسا ، واعتبر القديس ( ميشيل ) الذي ظهر لها في المنام لم يكن الا الشيطان بعينه ؟؟ في شهادة صاعقة عن معنى التوظيف الايديولوجي للعقائد في خدمة السياسة ، وفي ألمانيا أحرق في بامبرج ( BAMBERG) في عام واحد 600 ساحرة وفي ( SIEBURG ) 200 ساحرة ، وفي فولدا في ثلاث سنوات 205 . كان حرق الساحرات يغذيه مصدران : روح الأساطير في القرون الوسطى وتخيلات الجن وحضور الغيلان ، والمرأة مصدر الفتنة والاغراء . آخر ساحرة أحرقت كانت في سويسرا عام 1782 م في كانتون ( جلاروس CANTON GLARUS ) . كتب فيلسوف الحداثة الفرنسي ( فوكو ) كتباً كاملة عن تاريخ الجنون والجنس . تركت اللغة بصماتها التاريخية عن ارتباط ( المرأة ) و ( اعضاءها التناسلية ) بالجنون . الاطباء لاينتبهون الى هذا التقارب الشديد والعجيب بين ( الهستيريا ) واستئصال الرحم في بقايا المصطلحات الطبية اللاتينية ( الهستيريا = HYSTERIA ) ( استئصال الرحم = HYSTERECTOMY ) . انتزاع واستئصال الرحم هو تطهير للمرأة من المس والجنون ونبات الانفلات العاطفي الجموحي .

 حريق جيوردانو برونو يضيء لعصر التنوير

 الكنيسة اعترفت بصوت خافت أن كثيرين قضوا نحبهم على نار المحارق . كان منهم جيوردانو برونو ( GIORDANO BRONO ) الذي ( ركب رأسه وكان عنيداً ) كما وصفه الكرادلة التسعة الذي حكموا عليه بالموت بأبشع طريقة ؛ فاستحق النار ذات الوقود ؟ عندما تقدم برونو الى الموت صرخ في وجه قضاته : لستم أنا الخائف بل أنتم من هلع قلبه وارتجت مفاصله وسيحكم عليكم التاريخ . كان برونو شهيد حرية الرأي كما وصفه المؤرخون أكثر من ممثل لمدرسة فلسفية ، وفي المكان الذي أحرق فيه أقيم له نصب تاريخي بعد قرون يخلد حرية الكلمة التي أغلقت الكنيسة يومها الطريق في وجهها . رقم الملايين التي سيقت الى الموت باسم العقيدة والمسيح شككت فيه الكنيسة واعتبرته مبالغاً فيه ، واعترفت برقم يقترب من ألف ( فلم يكن أكثر من 1000 ضحية أحرقت على مدار 400 سنة ) هو على كل حال أكثر من اعتراف . من المفيد أن نذكر أن الحضارة الاسلامية لم تعاصر أو تعاني من هذه الظاهرة المرعبة . ربما حدثت تجاوزات ؛ فقطعت أطراف الحلاج في بغداد وهو ينادي فيهم : الله .. الله في دمي ، وقضى نحبه السهروردي بفتوى أيام صلاح الدين الايوبي ، ومات ابن تيمية في السجن ، وسُمِّم ابو حنيفة ، وجلد الامام مالك ، وذبح الحسين ، ولم يدفن ابن جرير الطبري صاحب التصانيف الا سراً ؛بسبب اتهام الرعاع له بالالحاد والرفض ، الذي قال عن تفسيره الفقيه ( الاسفراييني ) : لو سافر رجل الى الصين في تفسير ابن جرير لم يكن كثيرا !. ظاهرة الحرق بالجملة يجلس لها الملوك ، ويحتشد لها الجمهور ، لم يعرفها التاريخ الاسلامي ، أما حرق البشر بأرقام فلكية تصل الى المليون فهذا يعني أن أوربا خرجت فعلاً من مستنقع آسن مرعب وبمعاناة ذات ضريبة باهظة .

 الورق يحرر عقل الانسان !

 هكذا وصف المؤرخ البريطاني ( ويلز ) في كتابه ( معالم تاريخ الانسانية ) اختراع المطبعة قبل خمسة قرون . الطباعة كانت كارثة على الكنيسة فحرر الورق عقل الانسان ، وقام ( مارتن لوثر ) بترجمة نص الانجيل الى اللغة الألمانية فكسر احتكار فهم النص بيد الاحبار . الانجيل كان يكتب بلغة لاتينية لايعرفه الا الاحبار . الرهبان كانوا الاوصياء علىالحقيقة ، والناطقون الرسميون الوحيدون بالحقيقة الحقيقية النهائية . كان من ينطق منهم شكله بشري ولسانه الهي . لاينطق من عند نفسه . ينقل فقط الحقيقة النهائية باتجاه واحد للهراطقة كي يؤمنوا ( مونوبول ) ؟ ليس هناك من نقاش . الجدل منهي عنه . على الطرف الآخر أن يحمد الله أن جاءه من يحدثه بالحقيقة مباشرة من عند الله . كانت كارثة خسوف العقل لانهاية لها . كان من يؤتى به الى محاكم التفتيش غير مسموح له بالدفاع عن نفسه . كان المحقق هو القاضي والمنفذ . كانت آلات التعذيب أشكالاً عجائبية طوَّرت الآلة الجهنمية للتحقيق في التاريخ . طالما كان هذا الهرطيق مستباحاً كانت كل وسيلة مشرعنة معقلنة تهدف فائدته وإخراج الروح الخبيثة منه . كان من يعترف منهم يرحم فلايرسل الى لهيب نار تتلظى ؛ بل يخنق ، ثم يحرق بالنار تطهيراً للجسد . جوتنبرج الألماني أحدث زلزالاً في التاريخ باختراعه المطبعة . فمع الطباعة بدأت الفكرة تزحف على العقول وهكذا دبت في مفاصل العقل الأوربي ملامح خطيرة ريادية أخذت أبعاداً جديدة في تشكيل العقل بشكل انقلابي . كل شيء قابل للفهم . كل شيء قابل للنقاش . كل شيء خاضع للنقد والتمحيص . هكذا بدأ عصر التنوير وكانت المحطة الأولى من جاليلو الايطالي ولكن ( كبريت الاشتعال ) كان جيوردانو برونو الذي آمل أن أكتب عنه مقالة موسعة .

 زلزال الحداثة ‍!

 حريق جيوردانو برونو أنار الطريق للحركة التنويرية في القرن السابع عشر ؛ فلم يحرق أحد بعده . كانت كارثة الاصطدام بغاليلو مهشمة طاحنة للكنيسة ، أعلنت الخسوف الكلي للفكر الديني في أوربا ، وأحدثت شرخاً رهيبا بين الايمان والعلم ، مازال العقل الانساني يعاني منها فلم يتعافى حتى الآن ، في تراجيديا متعددة الجوانب . فيلسوف القوة ( نيتشة ) اعلن موت الاله في الحاد صارخ . نيتشه كفر برب الكنيسة ولم يكفر بالله العلي العظيم . ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة أعلن موت الانسان . فوكو أعلن موت الحداثة مبشرا بعالم مابعد الحداثة . والفيلسوف الألماني ( يورجن هابرماز ) من مدرسة فرانكفورت يحاول اليوم معالجة شرخ الحداثة ؛ للاحتفاظ ببقايا حطام الهشيم ، بعد ان تمت مهاجمتها من كثير من الفلاسفة ، طالما كانت مسؤولة عن تفريخ الفاشية والنازية واندلاع حربين كونيتين ! في صور قاتمة مريعة لم يعرفها الجنس البشري من قبل ؟

 حاولت الكنيسة تطويق الفكر عبثاً فكانت تخرج بشكل دوري قائمة سوداء بالكتب المحظورة . القانون النفسي يقول إذا أردت نشر كتاب فامنعه ؟؟ وهكذا حصل طوفان عميم للفكر في أوربا مازالت أمواجه الطامة تتدفق بهدير مخيف . الكنيسة أرادت محاصرة العقل وتكميم الفكر ، والسماح له بالتنفس من ثقب تحدده هي .

 طبيعة العلم تقدمية

 الفكر لايعرف القيود هذه هي طبيعته ، والعلم لايعرف الحدود فيخترق كل شيء . لايعرف الراحة والتعب والنصب واللغوب ، الاستراحة أو الاستقالة النوم أوالقيلولة ؟؟ فهو من فيض الله العليم يعلم السر وأخفى ، العلم اليوم حطم الجغرافيا . واخترق كل انواع التابو . وشرَّح السياسة بالمبضع . وأخضع النصوص للدراسات المقارنة .

 شرخ لم يلتئم بعد ؟

 الصدع الذي حصل بعد المواجهة بين غاليلو والكنيسة لم يجبر حتى اليوم ، شهادة صاعقة عن الأخطاء التاريخية ، وفعلها المستمر عبر العصور . قام عصر التنوير والحركة العلمية بمعزل عن الدين وفي جو لايخلو من الالحاد ، على الرغم من وجود علماء دين برعوا في العلوم ، مثل الراهب ( جريجوري ماندل GREGORI MANDEL ) الذي اكتشف قوانين الوراثة و ( اثاناسيوس كيرشر ATHANASIUS KIRCHER ) الذي اخترع الميجافون وآلات حاسبة و ( كريستوف كلافيوس CHRISTOPH CLAVIUS ) الذي درس سطح القمر وثغرات فوهات البراكين وبنى تلسكوب عام 1611 م ، ولكن الطلاق الذي حدث بين العلم والدين ترك بصماته في كتاب من نوع ( تاريخ الصراع بين الدين والعلم THE HISTORY OF THE CONFLICT BETWEEN RELIGION AND SCIENCE ) الذي صدر عام 1875 م بيد أول رئيس للجمعية الأمريكية لعلوم الكيمياء ، وبعده بعشرين عاماً كتاب تاريخ المعركة بين العلم واللاهوت في المسيحية AHISTORY OF THE WARFARE OF SCIENCE WITH THEOLOGY IN CHRISTENDOM ) بيد اندرو . د . وايت أول رئيس لجامعة كورنيل . وحتى الخمسينات من هذا القرن كان البابا ( بيوس الثاني عشر PIUS XII ) يعتبر أن الخطأ لايحق له بالوجود ، ولايجب السماح له بالدعاية لنفسه ، حتى جاء البابا الحالي يوحنا الثالث والعشرين ؛ فاعترف بحرية اختلاف الأديان كحق أساسي للبشر . ويعتبر اللاهوتي الألماني ( هانس كونج HANS KUENG ) من منشقي الكنيسة الحديثين بسبب اعتراضه على عصمة البابا ، كما أن الفرانسيسكاني من أمريكا الجنوبية ( ليوناردو بوف LEONARDO BOFF ) من تيار لاهوت التحرير الذي كافح ضد الأنظمة الديكتاتورية ، تم رفده من منصبه في التدريس والوعظ كزميله كونج واعتزل منصبه عام 1992 م مما جعل ( هانس كونج ) الألماني يعلق على ظاهرة فتح الملفات القديمة ، أن الكنيسة تفتح ملفات القرون الثلاثة الفائتة في التصفيات الجسدية ، في الوقت الذي تفتح فيه ملفات جديدة في التصفية الفكرية لايسمح بالكشف عنها . مثلث وجسر التقاطع بين الفلسفة والعلم والدين ، وعمل كل حقل ، وتفاعله مع الآخر ، مازال لغزا وتحديا أمام العقل البشري ، يبوح ببعض أسراره بين الحين والآخر ، ثم يسدل الستار ، وحيل بينهم وبين مايشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب .