تحمل اسم NECAR 4 بقوة 75 حصاناً وتقدم حاكم البلدة جراي ديفيس ليقول بفخر لن يكون هناك غازات سامة على الاطلاق .. أكرر لاشيء سوى بخر الماء (21)
وصف الحديث اهل الجنة بأن نواتج اجسامهم من بول وغائط وعرق تتبدل الى رائحة المسك اللطيف ؛ فلايبولون ولايتغوطون ولايتمخطون رشحهم المسك ومجامرهم الالوة ، واليوم في السيارة الجديدة التي تجرب في كاليفورنيا يتم استخدام الهيدرجين فلا يخرج منها الا البخر اللطيف بدون غازات سامة تلوث الجو وتخنق التنفس وترفع درجة حرارة الأرض ويتبدل المناخ سوءً بسوء .
وفي ( علم الخلية ) مع مطلع 1998 م أعلن الثنائي ( جيري شاي ) و ( وودرنج رايت ) من تكساس ، عن استنساخ انزيم ( التيلوميراز ) وحقنه في الخلايا ؛ فأعطاها فسحة جديدة من العمر ؛ فتابعت انقسامها بهمة لاتعرف الكلال ، في مؤشر الى إمكانية مط أعمار الناس قروناً كثيرا ، مذكراً بقصة أصحاب الكهف (22)
هل نموت لإننا نهتريء أم نهتريء لأننا نموت ؟؟ بكلمة أخرى هل نموت لإننا نستهلك بدننا ؟ أم نموت لإن ليس هناك مايستهلك فقد اهتريء كل شيء بعد حين ؟!
منذ مطلع الستينات تنافست مدرستان في تفسير ظاهرة الموت بيولوجياً الأولى من جامعة فيسكونسين ( WISCONSIN ) في ماديسون ( MADISON ) والثانية من جامعة تكساس المركز الطبي في الجنوب الغربي في دالاس ( UNIVERSITY OF TEXAS SOUTHWESTERN MEDICAL CENTER IN DALLAS ) . مشت المدرسة الأولى بثلاث مراحل من التطور :
1 ـ ( الأول ) تجمعت قرائن قوية يذكرها الخبير بعلم الشيخوخة ( ميشيل جازفنسكي MICHAL JAZWINSKI) أن العضوية تتعرض الى نوع من الانتحار الداخلي البطيء ؛ فكما يحصل في المفاعلات النووية يحصل مع المفاعلات الخلوية ، والمشكلة في الجسم أنه لايعثر على حكومات ترضى أن تدفن في أرضها النفايات النووية ، فيقوم الجسم بدفن نفاياته الخلوية بطريقته الخاصة بإفراز مواد معدلة لهذه السموم القاتلة ، وعرف أن هذه النفايات محصلات طبيعية ( من مخلفات مواد الأكسدة ) من مصانع الطاقة في الخلية ( الميتوكوندريا ) وظهرت هنا مشكلتان : تخص المواد القاتلة الداخلية ، والثانية كمية تعديلها ؛ فلايملك البدن الكفاية من تعديلها الا بشكل جزئي ، ولكنها أوحت بفكرة ثورية من جانبين كل منهما خطوة في فهم الموت الزاحف نحونا .
2 ـ ( ثانياً ) يمارس الجسم انتحاراً داخلياً بالغرق بمخلفاته و ( زبالته ) ويعالجه بطريقتين : تحديد كمية المواد الداخلة للجسم ، فتخفف كمية المواد السامة الخارجة من الأكسدة ، ويطلق عليها العلماء تعبيراً عجيباً ( دورة تجويع ) ولايمكن أن يقارنها سوى (نظام الصيام الاسلامي ) . والثانية بزيادة المواد اللاجمة للسموم .
قام العالم ريشارد فاين درخ ( RICHARD WEINDRUCH ) بثلاث تجارب مثيرة كانت الثالثة منها عليه بالذات . كانت الأوليتان على فئران الحقل ؛ فقد لاحظ أن الحيوان يميل الى الموت أسرع كلما تغذى أكثر ، وبمقارنة الحيوانات وكم تستهلك من الطاقة استطاع رصد قانون ملفت للنظر ، فعمر الحيوان يحدد بمقدار مايستهلك من الكالوري نسبة الى وزنه ؛ فجرذ الحقل الذي يستهلك 250 كالوري لكل غرام من جسمه في اليوم يعيش 18 شهراً فقط ، في حين أن الخنزير الذي يستهلك 12 كالوري يعيش 25 سنة .
كما لوحظ قانون آخر في علاقة دقات القلب مع فسحة الحياة ؛ فكل حيوان عنده أربع مليارات من دقات القلب يستهلكها كيفما أراد ، فالفأر والأرنب مشغولان بنهم في القرض والالتهام طول النهار تضرب قلوبهم حوالي 500 ضربة في الدقيقة فينفقون بسرعة أكثر ، في حين تعيش الفيلة والسلاحف أكثر من مائة سنة بسبب ضربات القلب البطيئة ، وعرف في هذا الصدد أن قلوب الرياضيين تضرب ببطء أكثر ، وأن الله قد منح للبشر فترة حياة مضاعفة ، فقلوبنا نحن البشر تضرب حوالي ثمانية مليارات ضربة في متوسط الحياة .
قام العالم ( ريشارد فاين درخ ) بتجربة مثيرة على الفئران فجوعها بتطبيق ( نظام الصوم ) عليها ليرى مدى تأثيره ؟؟ وكانت المفاجأة صاعقة لأن الفئران عاشت أطول عمراً وأطيب صحة ، وكسبت 50 % زيادة في العمر ، مما دفع العالم الى تطبيق هذا النظام على نفسه : إذا عمرت الفئران أطول وأفضل بالصيام ؛ فهو من بابٍ أولى بتطبيقه على البشر منذ ذلك الوقت خفَّض العالم كمية غذائه باعتماد 1500 كالوري في نهاره ، فيكسب كما كسبت الفئران زيادة 50 % في فسحة العمر ؟!
يقول العالم ( فاين درخ ) وهو هنا يتفق مع مدرسة البرمجة الجينية ، إذا كانت الانقسامات الخلوية تمنحنا حوالي 120 سنة من فسحة العمر ، فإنه باعتماد نظام التجويع المستمر ( الصوم ) يمكن أن يعيش الانسان لفترة 180 سنة ؟! .
3 ـ ( ثالثاً ) يمكن تطويق ظاهرة الموت من طرف آخر ، ومد فسحة العمر عن طريق لجم السموم ، وهذا مافعله العالم ( راجيندار سوهال RAJINDAR SOHAL ) وزميله ( ميشال روز MICHAL ROSE ) برفع مستوى المواد المضادة للسموم المنبعثة من تفاعلات الخلايا بزيادة مواد ( مضاد الأكسدة ANTIOXIDANTIEN ) وكانت التجربة على ذباب الفاكهة ، من خلال إقحام هذه المواد في نواة الخلية ، وكانت المفاجأة قوية ، عندما تم ملاحظة قوة الذباب المحقون بهذا الاكسير ، نسبةً للفريق الآخر غير المعالج بهذه الطريقة ؛ فطال عمره ، واشتد عوده ، وعظمت مقاومته للأمراض والسموم والجوع والغازات القاتلة وصدمات الحرارة .
كان ابن خلدون يقول : إن الناس في المجاعات لايموتون من الجوع الجديد ، بل من اعتياد الأمعاء القديم على فرط الرطوبات ، ولذيذ المطاعم والمشارب ، والتأنق في افتراس الطعام بدون توقف .
أما مدرسة البرمجة الجينية فقد تأسست من خلال تطور رباعي المفاصل :
1 ـ ( الأول ) في مطلع الستينات عندما استطاع ( ليونارد هاي فليك LEONARD HAYFLICK ) أن يشق الطريق الى مفاجأة غير متوقعة وغير سارة عن جدولة عمر الانسان ؛ فرأى أن قدره محتوم من خلال انقسامٍ محددٍ للخلايا ؛ وهذا القدر من الانقسام قد رُسم وحُتِّم في جينات الخلايا ؛ يستهلك الجسم نفسه بموجبه مع كل انقسام ، من خلال ساعة بيولوجية تدق مربوطة الى منبه إنذار الموت ، فكما يربط منبه الساعة الى حين ؛ فإذا دخل الوقت استيقظنا على رنينه المزعج ، فهو هنا منبه الموت يدعونا لضجعة القبر .
2 ـ ( الثاني ) عكف فريق ثنائي ( جيري شاي JERRY SHAY & وودرنغ رايت WOODRING WRIGHT) لمعرفة ماذا يحدث بالضبط و( كيمياوياً ) مع الانقسام الذي يرسم قدر الموت ؟ فوجدوا أنه معلق بنهاية الكرموسومات ؛ فمع كل انقسام تتقشر نهاية الكروموسومات فتهلك ، ومع هلاكها يقضى علينا بالموت . هذه النهاية مكونة من مادة بروتينية تم معرفة تركيبها على وجه الدقة ، وأخذت اسم التيلومير ( TELOMERE ) ومع كل تقشر لهذه النهاية تتعرى نهاية الكروموسوم ، ويضيع قسم من الأحماض النووية قُدِّر بخمسين يزيد وينقص ( مايشبه نهايات شواطات الأحذية )
3 ـ ( ثالثاً ) انفتحت شهية البحث أمام سيدتين أمريكيتين هما ( كارول جرايدر & اليزابيث بلاك بورن CAROL GREIDER & ILEZABETH BLACKBURN ) تشتغلان في علم الخلية لمعرفة تركيب ( الانزيم المضاد ) وهل يعرقل عملية التآكل ؟؟ واستطاعتا عام 1985 أن تضعا أيديهما على تركيبه الكيمياوي التفصيلي وأعطي اسم ( التيلوميراز TELOMERASE ) وكان اختراقاً علمياً مذهلاً ، أثبت قدرة المرأة وصبرها على تحقيق اختراقات معرفية يعجز عنه الرجال .
4 ـ ( رابعاً ) قام الثنائي العلمي ( رايت & شاي ) بتسخير ( علم الاستنساخ CLONING ) للتلاعب بالخلية باستنبات الانزيم الحيوي أولاً ، ثم إقحامه الى داخل نواة الخلية لمعرفة هل يكون مفتاحاً لقفل ( التيلومير ) ؟؟ فطالما كانت الخلية تموت بالتعري والتآكل في نهاية الكروموسومات ، من خلال تقشر مادة ( التيلومير ) فيمكن المحافظة عليها بأكسير الحياة الجديد ( التيلوميراز ) الذي أكتشفته ( جرايدر وبلاك بورن ) ؟؟
الجنين سرطان رهيب مضبوط ، والسرطان تمرد على قوانين التآكل والموت ، في عشق للعودة الى حياة الطفولة بلاموت . كل هذه كشفته الدراسات الخلوية الحديثة ، بمادة ( التيلوميراز ) المحشوة في دم الجنين ( وخلايا السرطان ) فكلاهما يستحمان في ترياق الحياة الزكي ، فعند دراسة خلايا الأجنة وجد أنها تتكاثر على نغم هذه المادة السحرية التي تعمر الخلايا بزخم الحياة ، وعند تأمل الأنسجة السرطانية فوجيء الباحثون بتدفق هذه المادة في مفاصل الخلايا السرطانية المتمردة ، في جدلية فظيعة أمام مادة فيها الكثير من الأسرار والتحدي . هنا بدأ العلماء يحومون حول هذه المادة الخطيرة يخطبون ودها لمعرفة كيفية تسخيرها . في صيف عام 1997 م تمت تجارب حقن نواة الخلية بهذه المادة السحرية ، وتمت مراقبة الخلايا وتكاثرها إلى أين تمضي رحلة التكاثر ؟ هل ستقف عند قدرها المحتوم من خلال التآكل ؟ أم أن الانزيم الجديد سيحافظ على نهاية الكروموسومات فتستمر في رحلة الانقسام بنشوة ؛ فلاتطالها يد الموت ؟! وكانت المفاجأة صاعقة !! فقد حمى الانزيم الجديد نهاية الكروموسومات ، وتابعت حياتها فانقسمت أكثر من الرحلة المعتادة ، فتجاوزت الخمسين انقساماً ، ثم تابع الانقسام طريقه فزاد عن الثمانين ، ثم تجاوز المائة ، والدكتور ( جيري شاي ) لايصدق عيناه ؛ فيأخذ خلاياه المدللة ويتابع مراقبتها تحت المجهر ؛ فلا يلاحظ ملامح الاهتراء والشيخوخة ، الضعف أو الموت أو التوقف ؟!!
ومع الاعلان عن الكشف الجديد لانزيم التيلوميراز مالت الكفة باتجاه ( القدر الجيني ) فتبرع ( بارون البترول ) المليونير في تكساس ( ميللر كوارلس MILLER QUARLES ) بمبلغ مائة ألف دولار تشجيعاً لاستحضار ترياق الحياة ؛ فهو بلغ الثلاث وثمانين عاماً ويرى الحياة جديرة بأن يتمتع بها المرء ، ويضع الأغنياء الأمريكيون اليوم ( الفراعنة الجدد ) أجسادهم في سائل النشادر ( 160 تحت الصفر ) عند الموت على أمل وصول الطب في المستقبل الى إعادتهم الى الحياة بشكل أكثر حيوية وشباباً ؟! وبدأت الشركات تشمر عن ساعد الجد في تطبيق أنزيم الحياة الجديد على العديد من الأمراض من العته ونقص المناعة ، الضعف الجنسي وتساقط الشعر ، الصدفية والصلع ، وسجلت أسهم شركة ( أبحاث الشيخوخة ) ( جيرون GERON CORPORATION ) في سوق البورصة ارتفاعاً بمقدار 44 % ، واعتبرت شركات التأمين للشيخوخة والتقاعد أن مايحدث بمثابة الزلزال للنظام التقاعدي لزبائنهم المرشحين أن يعيشوا قروناً . اعتبر الطبيب ( ميشيل فوسل MICHAEL FOSSEL ) من جامعة ولاية ميشيجان ( MICHIGAN STATE UNIVERSITY ) أننا أمام التحول الأعظم في تاريخ البشرية لايقارنه الا الثورة الزراعية ( CULTURE REVOLUTION ) فإذا كانت الثورة الزراعية قد حررت الانسان لأول مرة في تاريخه الانثروبولوجي من الخوف من الموت جوعاً ، فإن الثورة الحالية تراهن على مد عمره بالتلاعب بالساعة الداخلية لأجله المحدد . تم هذا باستخدام قانوناً ضد قانون ، فبواسطة القانون أمكن للحديد أن يخترق قانون الجاذبية فيطير في الهواء ، وكما أمكن رفع متوسط عمر الانسان الحالي ، مد العلم يده للتداخل على أجل الفرد من خلال سنة الله في خلقه ، فبعد أن كان معظم الناس لايعمرون أكثر من ثلاثين الى أربعين سنة ؛ يعتبر من يموت في الستينات اليوم شاباً صغيراً . مات الرسول ( ص ) بعمر الثلاث وستين سنة بحمى قد تكون تيفية ، وقضى الإمام الشافعي نحبه في الخمسين بالبواسير ، وهلك فيلسوف التنوير ( سبينوزا ) الهولندي دون الأربعين بالسل ، ومات صلاح الدين الأيوبي وعمره 52 سنة بالتهاب الطرق الصفراوية ، وكان يمكن معالجة الحالة الأولى بالصادات الحيوية ، والثانية بعملية بسيطة ، والثالثة بعقار الستربتومايسين والنيازيد ، والرابعة بالمغذيات والعلاجات المناسبة بما فيها جراحة المناظير الحالية ، وليس كما فعل ( مجلس الحكماء ) بمعالجة صلاح الدين الأيوبي حينما قضوا عليه بالفصادة ؛ فأصيب بالتجفف ( DEHYDRATION ) والصدمة الكلوية ؟!
يرى الطب الأمريكي الحديث أننا في أول الطريق لوضع يدنا على أسرار مذهلة في قهر السرطان ليس الانزيم الحيوي ( تيلوميراز ) آخرها وتحقيق حلم الانسان في معالجة الكثير من المشاكل المستعصية ، فنحن نلج أوقيانوس المجهول الانساني ببطء وحذر وجهل ، ولعل الأحجية الكبرى هي معرفة الانسان ، كما وصف ذلك قديماً الكاتب والجراح ( الكسيس كاريل ) في كتابه ( الانسان ذلك المجهول MAN THE UNKNOWN ) أن الانسان حقيقة مجهولة تمشي وسط موكب من الأشباح . نحن فهمنا أشياء كثيرة مما يحيط بنا ولكننا لانملك ( دليل معلومات MANUAL INSTRUCTION ) عن أنفسنا كما يرى ذلك عالم النفس الأمريكي ( براين تريسي ) في أبحاثه عن أسس علم نفس النجاح ، عن كيفية تشغيل هذه الآلة المعقدة المسماة بالانسان ، وهي كلمة غير دقيقة غير سليمة ولاتؤدي الغرض ؛ فالانسان يجمع داخله مختصر مضغوط لبرمجة الكون كله ، فإذا كانت الكروموسومات تحوي ثلاثة مليارات من الأحماض النووية وتعتبر التجلي الأعظم في الخلق البيولوجي ، فإن الجانب الروحي النفسي مازال دغلاً لم نقطع بين أشجاره الملتفة سوى خطوات قليلة .
هذا التصور المذهل جعل عالم النفس السلوكي ( سكينر SKINNER ) يُعِّقب في كتابه المترجم الى اللغة العربية تحت عنوان ( تكنولوجيا السلوك الانساني BEYOND DIGNITY AND FREEDOM ) أن سقراط لو بعث في أيامنا الحالية لدهش من أمرين : اكتشاف نفسه طفلاً صغيراً لايفقه شيئاً من الأبحاث الحالية . سوف يصعق من المعلومات الجديدة عن الفيزياء النووية بتركيب مضاد المادة ، ورحلة المركبة ( باثفايندر ) الى المريخ ، وكشف التركيب الجيني في نواة الخلية ، في جدلية فهم العالم الأصغر والأكبر بالتسلكوب والميكروسكوب ( MACRO & MICRO ) عند حواف الكون ، ولكن المفاجأة الثانية لن تكون بحال أقل من الأولى ؛ أن العالم لم يتغير كثيراً في الحوارات الفلسفية والعلوم الأخلاقية الانسانية ؛ فسيقتحم غمارها خوض المغامر الجسور ؛ فليس هناك من تطور نوعي في المناقشات فمازال السياسيون يتناقشون ويتعاركون كرجال الأدغال ؟!
يعقب عالم النفس (سكينر ) على كارثة انسانية من هذا الحجم : لماذا لم تتطور العلوم الانسانية بشكل نوعي انقلابي كما حصل مع التكنولوجيا ؟ هل لأن هذه العلوم لاتملك بذرة التطور في رحمها ؟ فيمكن للانسان أن ينمو تكنولوجياً ولكن لايتطور أخلاقياً ؟ هل تحتاج الى تطوير أدوات معرفية نوعية ، تسبر غور فضاء معرفي معقد من نوع جديد ؟؟ وهل هناك ما أوقف تطوير الأدوات المعرفية هذه ؟؟
ويخلص من هذا الى القول بوجوب وضع تكنولوجيا انسانية تستطيع ضبط التعليم والصناعة ، والانفجار السكاني ، والسلام العالمي ، كما نضبط مسير سفينة فضائية ، أو نقترب من الصفر المطلق في الرياضيات ؟!
ويتم الآن حفظ أرشيف الحياة في أمريكا لكل خلية ونسيج في مشروع ( البنك الخلوي ATCC = AMERICAN TYPE CULTURE COLLECTION ) في سائل النشادر 160 درجة تحت الصفر تجمد الحياة الى عشرة آلاف سنة فيما يشبه الرحلة الأبدية بحيث يمكن استدعاء الخلية مرة ثانية من الكهف النتروجيني ودفعها للحياة والتكاثر في بعث قبل يوم القيامة كما استيقظ أصحاب الكهف من سباتهم المديد .
كما يتم حفظ ملف الجنس البشري كله وماأنجز من المعرفة على صورة ميكروفيلم يدس في سرداب في الجبال قريباً من مدينة ايرفورت في ألمانيا ليوم عظيم ، ويتم البحث الآن ببعثة علمية عن حضارة ( الاتلانتيس ) المفقودة بسونار خرافي يجس فيه سطح الأرض مثل بطن المريض لكشف حصيات المرارة .
وفي ( أبحاث الأعصاب ) في السويد من جامعة ( لوند ) أعلن طبيب الأعصاب ( وايدنر ) عن بداية رحلة زرع الدماغ (23) بتقنية الاستفادة من بقايا ( الأجنة الساقطة ) في عزل خلاياها العصبية ، وإعادة زرعها بنجاح في أدمغة المصابين بداء ( باركنسون الرقصي ) لتحل مكان الخلايا التالفة ، في كسر مريع لعقيدة ثبات الخلايا العصبية . ويتم تطوير العلوم العصبية اليوم لكشف أسرار الدماغ ، وكيف يعمل هذا الجهاز ؟ الذي تشع منه شخصيتنا بطريقة مجهولة ، وفي ظلماته تحوِّم نفوسنا ، ويعمل بطريقة كهربية كيمياوية فتنتقل السيالة العصبية بشرارة لتحط عند خلية فتفرز مالايقل عن أربعين مادة كيمياوية في أربعين حرف للغة جديدة يتعامل معها الدماغ البشري في شبكة عصبية تترابط فيها مائة مليار خلية عصبية تقفز باحتمالات انفتاح الأقنية العصبية الى مافوق الجوجول ( عشر مرفوعة الى مافوق المائة ) .
كان الانسان قبل عشرة آلاف سنة يطارد الوحوش وهي تطارده فماذا ينتظره بعد عشرة آلاف سنة ؟
وفي ( أبحاث الجينات ) بدأت جراحة الجينات على يد ( خورانا ) بعد أن اكتشف ( آربرت فيرنر ) السويسري انزيمات ( مقصات ) الحامض النووي في الخلية ؛ فأمكن تسخير أقذر الباكتريا التي تنشر رائحة البراز الانساني ليكتشف أنها أفضل مصنع لانتاج الانسولين البشري ، ويحلم الاطباء في تسخير هذا الفن بعد كشف كامل الخارطة الوراثية في التخلص من 800 مرض وراثي في جراحات خلوية على الخلية الملقحة الأولى قبل أن تتابع دورة انقسامها وتخصص خلاياها لتتضاعف الى مائة مليون مليون خلية في 210 نوعاً من الأنسجة .
ومن لوس آلاموس تم الانطلاق بمشروع الماموت الجديد ( الجينوم البشري ) العالمي لفك الشيفرة الوراثية عند الانسان حتى سنة 2005 م ، ويمشي مشروع ( هوجو HGP ) الآن بتعاون عالمي لفك مغاليق أسرار الشيفرة الوراثية للخلق ، بمعرفة ثلاثة مليارات حمض نووي في كروموسومات النواة لها طلع نضيد بمايزيد عن مائة ألف ثمرة من سطور الخلق لتشكيل كامل الخارطة البيولوجية لعالمنا البهيج ، وأعلن ( كريج فينتر ) عن فتح (الطريق السريع ) لكشف الكود الانساني بثلاث سنوات ، مسخراً ثلاثمائة كمبيوتر ، تعمل أطراف النهار وآناء الليل ، بكمبيوترات لاتعرف الاستراحة وشرب القهوة ، تقدح بيديها أشعة الليزر ، فوق أسرار نواة الخلية ، وتقوم ( جراحة الجينات ) بأخطر لعبة على الانسان منذ أن بدأت الخليقة رحلتها (24)
وفي أبحاث ( التاريخ ) تقوم الكنيسة بما يشبه ( بريسترويكا ) داخلية بالسماح للعلماء بدخول أقبية الفاتيكان ، يناظرون 4500 ملف سري ، من عصور ظلمات التعصب الديني وحرق قريب من مليون امرأة بتهمة السحر ، أو الكتاب الأسود الذي يعرض جرائم الشيوعية ، تقتل قريب من مائة مليون انسان ، باسم يقين الايديولوجية .
بقدر ماكان التاريخ الأوربي الحالي لامعاً بالعقلانية والتنوير ، وحرية الفكر ، والديموقراطية الداخلية ، وحل مشكلة نقل السلطة السلمي ، وحرية المرأة النسبي ، والثورة العلمية ، والتسامح الثقافي ، والايمان بالتعددية ، وتحرير آليات النقد الاجتماعي ؛ فليس هناك حقل أو مؤسسة أو شخص فوق النقد . بقدر ماتخلصت أوربا من الوثنية السياسية وعبادة الأشخاص ، بقدر ماكان تاريخها ظلامياً استعمارياً مروعاً بحجم خرافي ، ربما لم تمارسه أمم من الأمم ، في سبعة روايات درامية فاجعة ؟؟
أفظع مافي الفصول قصص محاكم التفتيش باستخدامها ( النار ذات الوقود ) لحرق الناس احياءً من أجل آرائهم ؟ إن حرق الناس من أجل آرائهم ليس أفكاراً من بنات الخيال أو ( الفبركة التاريخية) ؟ إن هناك ملايين من الناس أنهوا حياتهم فوق أكوام القش والخشب الملتهب في أشنع موتة مكن تصورها ، وهي التي دفعت ( غاليلو ) رأس الحداثة وعصر التنوير عام 1633 م ؛ كما وصفه الفيلسوف البريطاني ( راسل ) أن يفقد جرأته الأدبية أمام ألسنة النيران الراقصة ، ويركع خاشعاً أمامها ، ويدون كلمات حزينة ذليلة ، بالاعتراف الكامل ، أنه كان في ضلال مبين . إن التاريخ حفظ لنا هذا في أعظم وأوثق مدونة تاريخية في القرآن ؛ مما يجعلنا نفهم لماذا ينزِّل الله من عليائه ، سورة كاملة تحمل رمزية عميقة باسم ( البروج ) ، في الدفاع عن الانسان الذي يحرق من أجل رأيه فقط ، كما حصل مع المفكر الأيطالي ( جيوردانو برونو ) الذي شوي على نار ذات لهب ، في 17 فبراير عام 1600 ميلادي ، في افتتاحية متناقضة ( مشؤومة ـ مباركة ) للقرن السابع عشر قرن التنوير ؛ فالنار ذات اللهب من جسد برونو المحترق أنارت روح القرن . برونو أحُرق لإنه رأى أن مفهوم مركب الأقانيم الثلاثة ( TRINITY ) لايتوافق مع نظام كوني فسيح أكبر من تصورات الكنيسة ، عندما أحدثت شرخاً بين الإيمان والعلم ، خلَّف ظلاله الكئيبة على كل الجنس البشري . على كل مساحات التفكير . على كل أحرار الفكر ، على كل من يكتب بشكل وآخر . فأصبح الفكر والدين في تضاد ونقيض وتنافر وحرب . ومانكتبه اليوم هو محاولة دؤوبة لإعادة الصلة الطبيعية ، كما فعل القرآن بتصميم في مزج العلم بالإيمان ( وقال الذين أوتوا العلم والايمان ) . العلم ليس اصول فقه وتفسير . العلم يضم هذا ويزيد من الكوسمولوجيا والانثروبولوجيا ( علم الفلك والانسان ) وسواه . الكنيسة قامت بخطيئة تاريخية رسمت فيها صراعاً وإشكالية ، لم يتحرر منها العقل الانساني ويتعافى حتى هذه اللحظة . الغرب قام بخط سبع فقرات تاريخية دموية من : (1)( محاكم التفتيش ) و (2)( الحروب الصليبية ) و (3)( اشعال الحروب الكونية ) و (4)( محارق النازية ) و(5)( ابادة مائة مليون أسود في حملات نهب أفريقيا ) و(6)( ابادة مائة مليون انسان تحت ظل الأنظمة الشيوعية ) و(7)( تفريغ قارات أمريكا بأكملها من سكانها وتدمير حضارات عالمية )(25)
هذه الرواية التاريخية تفيدنا بثلاث ملاحظات : بقدر ماكان التسامح اكسجين الحضارة بقدر ماكان التعصب اكسيد فحمها على حد تعبير المفكر ( جورج طرابيشي ) .
إن ماحدث في تاريخ الكنيسة لايمكن السكوت عنه بحال . إنه عار كبير الذي حدث ( SCHANDE)كيف يمكن أن تتم انتهاكات صارخة لحقوق الانسان ، على هذه الصورة من الوحشية باسم الدين وحفظ العقيدة ؟ كيف يمكن للانسان أن يسكت عن هذه الألوان من ممارسة العنف في صورة حروب دينية تشن ، ومحاكم تفتيش تنصب وتصب العذاب على البشر باسم الايمان ؟ إن مافعلته محاكم تفتيش العصور الوسطى كان التمهيد الفعلي لقيام أنظمة ( توتاليتارية TOTALITARISM ) في القرن العشرين وأنظمتها القمعية من نموذج ( الجستابو GESTAPO ) النازي ، و جهاز الاستخبارات الـ ( K.G.B. ) الشيوعي ، و ( STASI ) استخبارات ألمانيا الشرقية السابقة ، قبل انهيار النظام الشيوعي
هذا الاعلان المثير لم ينطق به خصم للكنيسة . لم يصرح به شيخ الأزهر . لم يقل به ملحد غربي أو شرقي معادي للمسيحية والكثلكة . هذا التصريح العجيب قال به رأس الكنيسة الكاثوليكية ، البابا البولوني ( كارول فويتايلا KAROL WOJTYLA ) يوحنا بولس الثاني ( PAUL II ) . هكذا صرح واعترف البابا الجديد في عام 1994 م : على الكنيسة وبمبادرة ذاتية استعداداً لدخول القرن الجديد أن تعيد فحص الزوايا المظلمة من تاريخها ، وتقيمها على ضوء البشارة النبوية واعمال الانبياء ( EVANGELIUM ) . محاكم التفتيش ( INQUISITION ) أسسها البابا ( انوسنس الرابع INNOZENZ IV ) عام 1252 م وبقيت تعمل لمدة خمسة قرون ، أرسلت خلالها الى المحرقة مليون امرأة ، منها والدة الفلكي المشهور ( كبللر KEPPLER ) الذي أنقذها بإعجوبة ، ويوصل الفيلسوف الفرنسي ( فولتير ) أرقام من ماتوا تحت الآلة الجهنمية لتعذيب محاكم التفتيش بعشرة ملايين . كان الجنون الجماعي الأعظم الذي استشرى في القرن الخامس عشر للميلاد في الأرض الألمانية ضد النساء بتهمة السحر ، مما يذكرنا بمعنى محارق النازيين في الحرب الكونية الأخيرة ، أو حرقهم للأجانب في أيامنا الحالية . لايوجد بلد في العالم باستثناء ألمانيا يكتب فيه في كل مكان على الجدران ( اطردوا الاجانب AUSLAENDER RAUS ) . لايوجد في العالم كله الا نظامين عنصريين هما الألماني والصهيوني من يمنح الجنسية لألماني أو يهودي من ليتوانيا أو كازاخستان لمجرد أن كان جده الخامس ألمانياً أو يهودياً .
أن تقوم النازية بالهولوكوست التاريخي في الإبادة الجماعية ( GENOZID ) معروف وينطلق من الروح العنصرية ، وتفوق العرق الآري ، ونظرية المجال الحيوي ( LEBENSRAUM ) ولكن الجديد الذي هز طبقة المثقفين والضمير الأوربي والحكومة الفرنسية التي تضم ثلاثة وزراء شيوعيين ، هي فاتورة الحساب الماركسية ( الهولوكوست الأحمر ) التي قدمتها دراسة علمية موثقة بالاحصائيات في ( 848 ثمانمائة وثمان وأربعين صفحة ) قام بها الكاتب الفرنسي ( ستيفان كورتوا STEPHANE COURTOIS ) الذي قدم للكتاب الأسود بكلمات مزلزلة عن حصاد الهشيم الشيوعي ومجموعة من المتخصصين الفرنسيين في دراسة النظم الشيوعية عالمياً ، ومنهم المعروفين باتجاههم اليساري ، على مدار 80 سنة منذ حدوث انقلاب اكتوبر في روسيا الذي قاده لينين وتروتسكي ودخل التاريخ تحت اسم ( ثورة اكتوبر ) . تحمل الدراسة اسم ( الكتاب الأسود LA LIVRE NOIR ) وتحته عنوان فرعي ( إجرام . إرهاب . قمع CRIMES TERREUR REPRESSION ) ؟! تتضمن الدراسة أخباراً مزلزلة عن كارثة انسانية بحجم خرافي ، دامت على مدى جيلين ، ودفعت الى المقابر الجماعية مائة مليون ضحية انسانية ، في عمل يستعصي على التفسير ، ويطرح تساؤلات مصيرية حول مستقبل الانسان ، وجدلية السلطة والمباديء ؛ ففي الصين بين عامي ( 1946 ـ 1952 م ) قضوا نحبهم ( 2 ـ 5 ) مليون انسان في الإصلاح الزراعي ، ومات مالايقل عن ( 1000000 مليون ) انسان في أعمال القمع في المدن التي تمت في ( 1950 ـ 1957 م ) ، وفيما سمي بحركة ( القفز الى الأمام ) بين عامي ( 1959 ـ 1962 م ) قفز معها رقماً مرعباً الى هوة الموت فانتشرت مجاعات كلفت ( 20 ـ 43 ) مليون من حياة البشر ، وكلفت الثورة الثقافية بين عامي ( 1966 ـ 1976 ) في عشر سنوات عجاف ( 400000 ـ الى مليون ) من البشر في رحلة موت وإذلال ، ويختلف العلماء الصينيون في الرقم الفائت فيرفعونه الى عشرة أضعاف ( من 4 مليون الى عشرة ملايين ، وفي هضبة التيبت مات بالقتل والمجاعة حوالي 600 ألف الى 1,2 مليون ، وأما في السجون فمات حوالي 20 مليوناً ، وبذلك تكون الحصيلة الإجمالية برقم إجمالي يتراوح بين ( 44,5 الى 72 مليون ضحية ؟! )
وكانت حصة البلد الأم للشيوعية الاتحاد السوفيتي 35 مليون على الشكل التالي : بين عامي ( 1918 ـ 1922 م ) تم سحق انتفاضة الفلاحين في بداية الثورة بكلفة نصف مليون انسان ، وبين عامي ( 1921 ـ 1922 م ) تم الاستيلاء على أرزاق الناس وأقواتهم بالقوة المسلحة فتعرض الناس لمجاعة فظيعة راح ضحيتها خمسة ملايين نسمة ؟! ، وبين عامي ( 1932 ـ 1933 م ) وبتطبيق نظام ( الكولخوز ) المزاراع الجماعية مات حوالي ستة ملايين نسمة ، بمجاعة مروعة مازالت في الضمير الجماعي للشعب السوفيتي ؟! ،وبين عامي ( 1922 ـ 1953 م ) تمت إعدامات جماعية ( من نموذج قصص جريجوري نيازوف ) وتصفية للعناصر ( المضادة للثورة ) قدر عدد الذين تمت تصفيتهم وقتلهم ب800000 ثمانمائة ألف ؟! ، وأما عدد الذين ماتوا في معسكرات الاعتقال الجماعية واقتلاع شعوب بأكملها من مكان لآخر كما في الشعب الشيشاني ( 1 ـ 2 ) مليون ؟! ويقدر العديد من الخبراء الروس والغربيين في دراسات موثقة أن عدد الذين هلكوا في معسكرات الاعتقال والتعذيب الجماعية التي أخذت اسم أرخبيل الجولاج ( GULAG ) بين عامي 1935 و 1953 م حوالي 20 مليون ضحية ؛ فتكون المحصلة الإجمالية للموت الجماعي في روسيا 35 مليون ضحية .
كتبها الفاروق عمر في 01:00 صباحاً ::
الاسم: الفاروق عمر
